صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
305
تفسير القرآن الكريم
وإن كان خطابا لغير أهل الكتاب فالمعنى : اتقوا اللّه واثبتوا على ايمانكم برسوله يؤتكم ما وعد مؤمني أهل الكتاب من الكفلين في قوله : أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ [ 28 / 54 ] ولا ننقصكم من مثل أجرهم لأنكم مثلهم في أن لا تفرقون بين أحد من رسله . وَيَجْعَلْ لَكُمْ يوم القيمة نُوراً تَمْشُونَ بِهِ - أي : هدى يهتدون به . وعن ابن عباس : « النور » : القرآن لما فيه من الأدلة النيّرة على كل حق والهداية إلى كل خير ، وبه الاستحقاق لحصول الضياء في القلب الذي يمشي به يوم القيامة . وَيَغْفِرْ لَكُمْ - أي : يستر عليكم ذنوبكم التي أسلفتم من الكفر والمعاصي . روى سعيد بن جبير « 1 » : بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم جعفرا في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه ، فقدم عليه ودعاه ، فاستجاب له وآمن به ، فقال أناس ممن آمن به من أهل مملكته وهم أربعون رجلا : « ائذن لنا فنأتي هذا النبي فنسلم » « 2 » . فأذن لهم . فقدموا مع جعفر ، وقد تهيأ صلى اللّه عليه وآله وسلم لوقعة أحد ، فلما رأوا ما بالمسلمين من خصاصة استأذنوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فرجعوا وقدموا لهم بأموال لهم ، فواسوا بها المسلمين ، فأنزل اللّه : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ إلى قوله : وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [ 28 / 54 ] . فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن به قوله أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا فخروا على المسلمين فقالوا : « أما من آمن بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين ، وأما من لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجركم ، فما فضلكم علينا » ؟ فنزلت الآية فجعل لهم أجرين وزادهم النور والمغفرة . و روي إن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون
--> ( 1 ) الدر المنثور : في تفسير الآية : 6 / 178 . ( 2 ) فتلمّ به - نسخة .